يتعلم أصحاب هذا النمط ما ينفع. المادة التي يرون لها موضعًا في ما يريدون بلوغه يبذلون فيها ما يتجاوز المطلوب بكثير ويذهبون فيها أبعد من المقرر. والمادة التي لا يرون لها عائدًا تُؤخَذ بالحدّ الأدنى الذي يمرّرهم، بلا شعور بالذنب ولا محاولة إقناع أنفسهم بغير ذلك.
أما ما يصعب عليهم فهو ما يُطلب فيه الإتقان لذاته: الصيغة التي تُضبَط لأن الضبط مطلوب، والتفصيل الذي لا يغيّر شيئًا في النتيجة، والمراجعة المتكررة لما فُهم أصلًا. وليست المسألة كسلًا — فطاقتهم تفوق المعتاد — بل أن الجهد الذي لا يُثمر لا يجد عندهم ما يبرره.
ما يُدرَس يُقاس بعائده
أوضح ما يفرّقهم عن غيرهم في المذاكرة أنهم يوزّعون الجهد بحساب لا بالتساوي. يعرفون أي المواد تستحق الإتقان وأيها يكفي فيها العبور، وأي جزء من المقرر يُسأل عنه فعلًا. فيخرجون بنتيجة جيدة وبوقت فائض ينفقونه في ما يرونه أهم — وهذا حساب واعٍ لا تهاون.
ولهم قدرة يغفل عنها كثيرون: التعلّم خارج المنهج لغاية. يعلّمون أنفسهم مهارة كاملة لا تُدرَّس لهم لأنهم رأوا أنها ستنفعهم بعد سنتين، ويقطعون فيها شوطًا يفوق ما يقطعه من يتعلمها في فصل دراسي — لأن الدافع عندهم مربوط بالعائد لا بالمنهج.
غير أن هذا الحساب نفسه قد يخذلهم. فالعائد لا يظهر دائمًا في وقته، وقد تتبيّن قيمة مادة أُخذت بالحدّ الأدنى بعد سنوات حين يُبنى عليها ما لم يكن في الحسبان. والدرس المتكرر في مسيرتهم أن الأساس الذي يبدو بلا عائد هو ما يحدّ سقفهم لاحقًا.
نقاط القوة
- المقرّرُ يُقرأ من آخرهيبدؤون من السؤال المتوقَّع ويرجعون منه إلى ما يلزم تحصيله، فيصلون إلى ما يُسأل عنه بأقصر طريق. ولكن المشكلة أن ما لا يُسأل عنه قد يكون هو الأساس، فيظهر نقصه في سنةٍ لا امتحان فيها.
- تعلّمٌ خارج المنهج لغايةيعلّمون أنفسهم مهارة كاملة لم تُدرَّس لهم لأنهم رأوا عائدها بعد سنتين، ويقطعون فيها شوطًا يفوق من درسها فصلًا كاملًا. ولكن المشكلة أن ما لا يُرى له عائد لا يُتعلَّم، والعائد بعد عشر سنين لا يظهر في هذا الحساب.
- طاقةٌ تحتمل الجدول المزدحميجمعون بين الدراسة والعمل ومشروع جانبي بلا أن يهبط أيٌّ منها، ما دام كلٌّ منها يفضي إلى شيء. ولكن المشكلة أن الجدول المزدحم يحتمل ما يُفضي إلى شيء، ولا يُبقي فراغًا كان لازمًا لما يحتاج نضوجًا.
- الخطأُ يُشرَّح فتُستخرَج منه قاعدةما فشل عندهم يُفَكّ إلى أسبابه وتُستخرَج منه قاعدة تُستعمَل لاحقًا، فلا يتكرر الخطأ نفسه مرتين. ولكن المشكلة أن التشريح يقع على ما فشل وحده، فيمرّ الناجح بلا فحص وتبقى أسباب نجاحه مجهولة.
- لا يتعلّقون بطريقة أثبتت قصورهايغيّرون أسلوب مذاكرتهم فور أن يتبيّن أنه لا يُثمر، بلا تعلّق بما بذلوه فيه ولا شعور بأن التغيير إقرار بالفشل. ولكن المشكلة أن سرعةَ التغيير قد تقع قبل أن تُعطى الطريقةُ وقتَها، فتُتَّهم بالقصور وهي لم تُجرَّب.
- حسٌّ بالتوقيت في التخصّصيختارون المجال بالنظر إلى ما سيصير مطلوبًا لا إلى ما هو مطلوب الآن، وكثيرًا ما يثبت الوقت صحة اختيارهم. ولكن المشكلة أن التقدير للمطلوب لا للمُلائم، فقد يُختار مجالٌ سيصير مطلوبًا ولا يصلح لصاحبه.
نقاط الضعف
- أساسٌ يُؤخَذ بالحدّ الأدنى ثم يُحتاجالمادة التي لا يرون لها عائدًا تُعبَر بلا إتقان، ثم تتبيّن قيمتها بعد سنوات حين يُبنى عليها ما لم يكن في الحسبان. ولا يظهر هذا حين يُبيَّن لهم على ماذا سيُبنى هذا الأساس لاحقًا، فالعائد المؤجَّل يقنعهم متى صار مرئيًا.
- الإتقانُ لذاته لا يجد مبررًاضبط الصيغة والتفصيل الذي لا يغيّر النتيجة يُترك، فتُخصَم درجات في مواضع كان الالتزام فيها أرخص من المناقشة. ولا يظهر هذا حين يُربَط الشكل بدرجة أو نتيجة معلنة، فيلتزمون به بلا مناقشة متى دخل الحساب.
- صبرٌ ينفد على ما لا يُثمر بسرعةالمادة التي تحتاج شهورًا قبل أن يظهر أثرها تُهجَر مبكرًا، فيخسرون ما كان سيفتح لهم أوسع مما فتحوا. ولا يظهر هذا حين تُوضَع محطات قريبة يُقاس عندها التقدم، فالعائد المجزّأ يبقيهم حيث لا يبقيهم العائد البعيد.
- مشاريعُ تُفتَح أكثر مما يتّسع الوقتيبدؤون أكثر من مسار في وقت واحد لأن كلًّا منها يبدو مثمرًا، فيتنازعون على وقت واحد ويهبط أحدها حتمًا. ولا يظهر هذا حين يوجد من يقول لهم إن هذا يزيد عن السعة ويثقون به، فما ينقصهم تقدير السعة لا الالتزام.
- زميلٌ أبطأ يُستعجَلفي العمل الجماعي يدفعون بإيقاعهم ويصححون في حينه، فيصل ذلك إلى من يعمل معهم حكمًا على قدرته فيتوقف عن المشاركة. ولا يظهر هذا حين يُقال لهم إن الإيقاع يضرّ بالناتج نفسه، فالحجة العملية تعمل عندهم حيث لا يعمل العتاب.
- راحةٌ تُقتطَع من الجدول أولًاالنوم والتوقف يُضحّى بهما لأنهما لا يظهران في أي حساب، فيدخلون الأسبوع الأهم منهكين ويخسرون فيه ما كسبوه بشهور. ولا يظهر هذا حين يُبيَّن لهم أثر النوم على الأداء بالأرقام، فيلتزمون به متى دخل في حساب النتيجة.


